دخلتُ غرفتي ... و أحكمتُ إقفال بابها خلفي .. اتجهتُ إلى مسجّلي الصغير القابع في ركن غرفتي ، التي يغلب عليها اللون الأزرق ... إنه اللون الذي أعشق ..
رحتُ أقلّب الأشرطة بين يديْ ..
( ماذا أسمع ؟؟ .. مممم ... حسناً ، سأسمع منوّعاتٍ خليجية .. )
دسستًُ الشريط في التجويف المخصّص له .. و ارتميتُ على سريري ..
و بدأت الموسيقى .. ثم صوت راشد الماجد المميز .. راح يترنّمُ بوجعٍ يختبيء بين طيّات صوته ...
(( اعذريني يا لهدايا .. لو هملتك في الزوايا .. ماني متحمل أشوفك .. و اللي جابك مو معايه ))
وقعتْ عيناي على ذاك الإطار الخشبي الذي أخذ شكل قلبين يحتضنان بعض .. القابع على تسريحتي ... أذكر ذلك اليوم يوم أهداني إياه .. يومها كان عيد ميلادي الثامن عشر .. أرسله مع أخته ...
أذكرها يوم دخلت الفصل و بين يديها ذلك القرطاس الأسود المزركش بالقلوب الحمراء .. دخلتُ و هي تبتسم ..
( صباح الخير ...)
نهضتُ من مكاني و احتضنتها قائلةً ..
( صباح النور .. يا هلا وغلا ..)
قدمت لي الهدية و هي تقول وكأنها تقلد شخصاً ..
( كل عامٍ و أنتِ بخير يا حبيبتي ...)
ضحكتُ لطريقتها في التهنئة ، سألتها عن صاحب الهدية .. فأشارت إلى قلبي متابعةًً ..
( من القلب إلى القلب )
و ضحكت ثم خرجت من الفصل ...
يومها لم أستوعب ولا رقماً رياضياً واحداً ...
لم أعرف كيف أثبتت معلمة الفيزياء ذلك القانون ..
و لم أفهم كيف وُزنت تلك المعادلة الكيميائية .. التي كنتُ في الحصص السابقة أوزنها قبل المعلمة ...
فكل حواسي كانت مع ذاك الخشبي القابع تحت طاولتي .. و مع صاحب ذاك الخشبي ... يومها عشقته أكثر .. لم يكن سبب عشقي هي الهدية المختبئة تحت طاولتي ، و إنما كان بسبب من تذكر عيد ميلادي ..
قطع راشد الماجد حبل أفكاري متابعاً أغنيته ...
(( راح و خلاني بحالي .. شفتي ويش سوى بحالي .. خبريني يالهدايا .. ويش أسوي لو عشق قلبه سوايا ))
آه .. ذهب بعد أن تركني وحيدةً أتجرع علقم الفراق ... فهو من كان يؤنس وحدتي ... هو فقط كان شغلي الشاغل .. له كانت حياتي كلها ... كنت أستيقظ و أنام لأجله ... كنت أبكي و أضحك لأجله .. كنت أفرح و أحزن لأجله ... كنت أشبع و أجوع لأجله .. كنت أأمن و أخاف لأجله .. كانت حياتي بما فيها لأجله ... له فقط ... .. تُرى هل يستطيع أن يحب غيري .. كيف لا ، و قد كان حبه لي تسلية .. لعب ...
عاد راشد يُشاركني آلامي ...
(( قولي لو هو حب غيري .. ويش يكون اسمه مصيري .. غير أموت أنا في مكاني .. و اترك الدنيا ورايا ))
آآآه .. أنا أموت في اليوم الف ألف مرة بسبب فراقه .. فماذا سيحصل لي لو عشق غيري .. تُرى هل لا زال يذكرني .. لا أعتقد .. فخبر زفافه القريب – الذي لم يبقى عليه سوى عدة أشهر – زلزل كياني ...
رباااه ....ما هذا الغدر ... يا لهذا العشق .. واعجباً .. أنا أعزف عن الزواج .. لا أستطيع أن أتخيل نفسي لغيره .. بينما هو ....
قاطعني صوت عيضة المنهالي ...
(( جالس لحالي و بحالي .. هزني الشوق و ذكرتك .. يعني معقولة يا غالي .. كل هذا و ما وحشتك ))
آآآه .. كم اشتقتُ إليك ... أتُراك تشتاق لسذاجتي ؟؟؟!!!
(( غيبتك طالت ليالي .. يا عسى خير و عذرتك .. حبي و كل انشغالي ... دون ما أقصد جرحتك ..))
لن أنتظر منك الرجوع ... أتعلم يا من كنت ملهمي أني بعدك تهت ..
أتراك تذكر تلك العينان العسليتان التي كنتُ تتغزل بهما ... أتعلم ماذا حصل لهما ؟؟؟ لقد غرقتا بدموع فراقك .. لم تعد عيناي ، عينايَ .. و لم أعد أنا ، أنا .. بعد رحيلك كل شيء تغير ...
(( يعلم الله و قلبي شاهد .. إن عيني من أملها ... بس تشوفك عندي قاعد .. روحي ترجع في محلها ))
عينايَ اشتاقت لرؤيتك ...
(( تدري يوم إحنا نتباعد .. كل ها لدنيا و أهلها ... يفقدون إنسان واحد .. و أفقد أنا الدنيا كلها ))
أتذكر حين كنتُ أناديك دنيتي .. حين رحلتَ أنت رحلتْ عني دنيتي .. و بقيتُ وحدي ...
انحدرت دمعتان ساخنتان .. حرقتْ بلهيبهما وجنتاي .. لم أقوى على مسحهما .. فتركتهما تتابعان طريقها لتموت عند شفتي ...
أتذكر هذه الشفتان ؟؟.. أتذكر هذا الفم الذي كم ترنّمتَ به .. أتذكر كم كنت تخبرني بعشقك لفميَ الصغير .. أتذكر حين كنت تضحك و تسألني : كيف تأكلين بفمكِ الصغير هذا ؟؟... يومها قلتَ لي أن فمي هذا هو سبب هزالي .. حينها سألتني عن وزني ، فأخبرتك أنه سبعةٌ و ثلاثون .. أتذكر ماذا فعلت .. شهقت و قلت مستغرباً .. أيوجد في العالم فتاة وزنها سبعةٌ و ثلاثون ، و عمرها ثمانية عشر ...!!! كنتَ دائماً تجبرني على الأكل مهدداً بمكالماتك التي ستنقطع عني إن لم آكل ...
(( كان قلبك يا فتوني .. طاوعك تنسى حبيبك .. أنا ببتعد مع شجوني .. و انت روح الله حسيبك ))
تابعت دمعتان أخرى طريقهما ..
أتستطيع نسيان عِشْرَة أربع سنين بهذه السهولة ..
(( بس تأكد يا عيوني .. لو غدا غيري نصيبك .. انت وياي و بدوني .. ما أبي مكروه يصيبك ))
لا أستطيع تحمل الألم فيك ... أتذكر يوم كنت تمنعني من التأوه .. كنت تقول لي أن آهاتي تؤلم قلبك .. أتذكر ذاك اليوم الذي مرضتُ فيه .. حين أصابتني الحمى .. يومها رويت لك ما حصل معي في المشفى ... أخبرتكَ عن الممرضة التي حقنتني حقنتين .. كدتُ أبكى و أنا أرى الحقن بين يديها .. حين قلت لك ذلك .. كدت تسقط مغشياً من الضحك ..
آآه .. صوتك إلى اليوم يجول في دهاليز أذنيْ .. أتذكر هذا الجسد النحيل الذي كم حكتْ لكَ أختكَ عنه .. أتذكر حين كنتَ تقول لي .. لا أريدك نحيلةً .. حاولي أن تزيدي وزنكِ قليلاً ... كنتُ لكَ عبدةً مطيعة .. فازداد وزني بسبب طلبك ثلاث كيلو خلال أسبوعين فقط و وصل إلى الأربعين ..
أتعلم ماذا حصل الآن ؟؟؟... بعد رحيلك ... لم تفتأ عيناي العسليتان عن البكاء ... و جسدي النحيل ازداد نحولاً .. و وزني الذي كان في حضورك أربعين بعد رحيلك و خلال يومين فقط صار خمسةً و ثلاثين .. أتصدق هذا ؟؟... صبية في التاسعة عشرة من عمرها و وزنها خمسةٌ و ثلاثون ..!!!
أصبحتُ وحيدة ... وسادتي ملّت مدامعي .. ليلي ملّ أنيني .. صبري ملّ انتظاري ..
يُقاطعني صابر الرباعي ..
(( أتحدى العالم كله و أنا وياك .. و اقول للدنيا بحالها إن أنا أهواك ...))
أتذكر هذه الأغنية ؟؟؟. أنتَ من أهداني هي ..
حين رن هاتفي الساعة الثالثة ليلاً .. استيقظتُ من نومي .. قرّبتُ سماعة الهاتف من أذني .. لأسمع صابر يغني ..
(( أتحدى العالم كله و أنا وياك ....))
في تلك الليلة أخبرتني أنك مستعدٌ بالتضحية بالعالم كله من أجلي .. يومها قلتً لي لن أعشق سواكِ .. و لن أفكر بسواكِ ... أنتِ من ملئتي فكري و دنياي .. أتذكر ؟؟..
و ها أنت اليوم تُخلف وعدك ... أيصح هذا ؟؟؟؟
دمعتان أخرى انحدرت ... نهضتُ من سريري و أغلقتُ المسجل .. ارتميتُ على سريري ، و احتضنتُ وسادتي و رحتُ أبكي ...
آآه .. كم بكيت على هذه الوسادة شوقاً .. و اليوم ابكي لوعةً و ألماً ...
رباه .. أريد أن أنساه .. لن أدعوا عليه أبداً .. أسعده يا إلهي في حياته ... أنله يا ربي كل ما يتمنى ... لا تحرمه نعمك ... و لكن قبل ذلك ، أرحْني يا رب .. ارحمني يا رحمن .. اريد أن أنساه ..
نهضتُ من سريري نحو تسريحتي .. حملتُ ذاك الإطار الخشبي .. و من بين أدمعي ، رحتُ أقرأ ما كتب عليه
(( أهنّي اليوم بك انت .. عشانك من مواليده .. و أغني لك في ميلادك .. عساها بك سنة سعيدة ))
هل فعلاً هذا الكلام نابعٌ من قلبك يا أيها الشاعر .. صدق من قال .. الشعراء ..يقولون ما لا يفعلون ...!!!!
أنت كاذب ..
كاذب ...
صحتُ بأعلى صوتي ...
كاذب ..
كاذب ...
رميتُ بالإطار أرضاً ليتحوّل إلى قطعتين ..
و ليتخذ كل قلبٍ زاويةً ...
من زوايا غرفتي الزرقاء ...
العاشقة ....
......... بنــــــــــ مكة ــــــــت ..........