.
بــــلا مــقدمــــــــات
لانها لاتحتمل ذلك !! او بالاصح المشاعر لاتحتمل ذلك ! ! !
( موهن ) .. !!
الكل لا يعرف من هو موهن ... وربما أنا لم أكن لأعرفه لولا عملية الترميم التي قمنا بها لمنزلنا قبل سنه بالتحديد ... !
موهن مجرد عامل هندي بسيط ، أربعيني العمر ، يعمل صبّاغ / بلاّط / وأشياء كثيره أخرى ليرسل جُل راتبة إلى أهله وأطفاله ويعيش بالباقي ، ...
قمنا بعملية الترميم لسنه مضت ...قبل رمضان تحديدا ، ومرورا برمضان ... ، كان الترميم شامل لأشياء كثيره ،حيث تم تغيير البلاط الخارجي( الحوش )، إزالة الصبغ القديم وصبغ داخلي / خارجي ، ديكور ، وسيراميك داخلي ( هذا مالم أعتد عليه إلى الآن ... وأظنني أكرهه حتى الموت ! )
كان أبي يوقظني من الصبح لـ أبقى معهم ( العمال ) ويعطيني من تلك النصائح والتوجيهات ، ... ( لا تنسى الزاويه .. انتبه لتقطيع السيراميك ، تابع عملية صب الكراج ...)
إلى آخر التنبيهات التي لم تنتهي إلا بانتهاء ذلك الترميم... كنت أستمع دائما لهذه التعليمات وذهني لا زال متعلق بالوساده ودفء الفراش..لم أكن أعي أغلب ما يقول ... كلما أتذكره أنني كنت أهز رأسي إشارةً بأنني فهمت مايقول .... ولا أتذكر سوى ذلك ... ! ...
أنتظره ليذهب إلى عملة ، لأعود أنا للفراش تاركاً ( العمال ) يسرحون ويمرحون كيفما شاؤوا ...
في اليوم الأول ، حصلت على توبيخ لأن أحد العمال كسر إحدى الزجاجيات الثمينه الخاصه بالـ صاله ..
وكان من المفترض أن أكون موجود لتوجيهه وهو يحمل الأدوات الكبيره فوق ظهرة..
كنت أدخل غرفتي في التاسعه مساءً، وأحتضن أحد الكتب لأقرأها ولا أنام حتى أنتهي ، وعادة يكون ذلك فجراً .. أو قبله بقليل....
ويوقظني الساعه السادسه .... أعتقادا منه بأنني قضيت الليل بطولة متوسداً المخده ...
قمت في اليوم الثاني متكاسلا ، وخرجت إلى العمال وظللت معهم حتى الظهر ..رأيت عملهم ... كانوا كلهم يتظاهرون بـ الإهتمام/الجد/الإجتهاد/الأمانه حينما أكون واقفاً عليهم ..
وبمجرد خروجي يبدأ العمل العشوائي وتطبيق المبدأ السخيف " جلد مو جلدك ... جره عالشوك !!" لا أعرف كيف تعلم الهنود تطبيق هذا المثل العربي البائس وكأننا لا نورد سوى حثالة أفكارنا !!! ....كلهم كانوا هكذا ، ماعدا واحد .... !
موهن ، ذلك الأربعيني الملتحي بشعر خفيف يأخذه الهواء أينما اتجه... صاحب الإبتسامه البيضاء والتي يرى من خلالها بياض قلبه ... لم يكن يعمل فقط ... بل كان يعمل وكأن المنزل منزله ...
يهتم بأدق التفاصيل ، وينجز بأمانه لم أشهد مثلها قبلاً ... تعجبت منه في يومي الأول معهم .... وعاد أبي ظهراً ليكمل الوقوف معهم ...
في اليوم التالي لم أنم أبدا ، والسبب أنني بدأت بـ ذاكرة الجسد لـ أحلام مستغانمي في وقت متأخر ...ولم أتمكن من إنهائها تلك الليله قبل الفجر كالعادة ..
فدخل أبي عليّ صباحاً وأنا مستلقي في الفراش على بطني والكتاب فوق المخده ...وعيني لا تكاد تنفك من الكتاب ، فطلب مني النزول والبقاء مع العمال ،
طلبت منه نصف ساعه لأكمل الكتاب ، حيث لم يتبق لدي سوى صفحات قليله... فذهب ، وبعد نصف ساعه نزلت وقد أنهيت الروايه ، فاستمعت لـ التعليمات اليوميه ..ووقتها فقط شعرت بالنعاس الشديد ..
وتمنيت أنني لم أنتهِ من الروايه .. كي لا أشعر بالنعاس ! ..بدأت بـ جر قدماي نحو الصاله ، ثم غرفة الجلوس ، إلى مجلس النساء ....ثم إلى مجلس الرجال ... إلى أن وصلت إلى موهن ..
نظر إليّ بنظرة أب ، لم تكن نظرة عادية وقتها ...
ابتسم وقال " مافي نوم ؟ "
فهززت رأسي نعم ...
فقال " مافي مشكله ... روح نوم انا سوي شغل "
ترددت وقتها ، هل أذهب لأنام ، وأتعرض للتوبيخ متى ماحدث خطأ ما ..
أم أصبر إلى الظهر...
فأعاد " روح نوم مافي مشكله " ...
قلت له " لا .. بابا كلام لازم شوف شغل ... "
فرد " انا معلوم .... روح نوم "
وقتها قررت النوم لا لأجل كلامه ، ولكن لأن سلطان النوم كان أقوى مني ....
فذهبت للنوم ، أيقظتني أمي في الظهر لأحضر الغداء لنا ولهم حيث كان المطبخ محتلاً للترميم أيضا ... خرجت وأنا أتذكر ماقاله أبي صباحاً ، حيث أوصاني بأشياء من المستحيل أن يفعلوها دون أن أخبرهم بذلك .....
ندمت وبدأت ألوم النوم والفراش وأحلام مستغانمي وذاكرة الجسد والفكر والثقافه و السياسه و لمبة الغرفة المحترقه وزجاج الصاله المكسور وكل ما يخطر ببالي وقتها .......
قال أشياء كثيره ... " لا تنسى ...الرخام حق درج المجلس لازم يكون مقصوص على شكل زوايا ، مو شكل دائري "....
"انتبه ...الحزام في الصاله لازم مايكون في النص ، لأن الصاله مفتوحه على البيت ، قول له يخليها على جنب ...."
أشياء كثيره تبادرت لذهني ، فاللوم سيكون كبير جدا عليّ ، ربما سيلومونني كلما جلسوا الصاله ورأوا "الحزام" في المنتصف والـ كنب يغطي جزءً منه ..... وربما ينظر إليّ أبي نظرة لا أحبها كلما دخل من باب المجلس ونظر إلى الدرج وهو على هيئة نصف دائره ......
أخذتني الأفكار إلى كل الزاويا .... إلى أن نزلت...... ونظرت إلى الصاله فوجدتها كما طلبها أبي .... !!
خرجت لأرى درج المجلس كما طلب أبي على هيئة زاويا ، ليصبح بشكل ثُماني أو تُساعي عوضا عن دائري ....!!
ذهبت لـ موهن وقلت له " بابا كلام انتا سوي كذا !!!! "
قال " لا .. بس كذا شكل يجي كويس !! ... ليش مافي كويس؟!"
قلت له "كويس كويس !!" ،
لم أصدقه ... انتظرت أبي ، وسألته حينما عاد
هل طلبت منهم ما طلبته مني ؟! ... هل وضحت لهم ماتريد .... !! قال لا ... انا قلت لك فقط ... !! وقتها صدقت موهن ، وآمنت بـ عمله !..
بقيت العصر كله مع موهن ، تجاذبت معه أطراف الحديث ... تبين لي أنه ( هندوسي ) ويعمل في المملكه منذ 19 سنه ...
حاولت دعوته للإسلام ، فكان يبتسم وكأنه يريد ذلك ولكنه يأبى أن يصرح !!... تهزأت بـ الهندوس وكيف يعبدون البقر والنار ... فكان يضحك معي ، ويقول " انا مافي عباده بقر ..!"
هممت وقتها أن أذهب لأحد مراكز توعية الجاليات لأحصل على كتب باللغه الهنديه أو الأوردو لـ أهديها إياه ... ولكن كان الكسل سيد الصفات وقتها ...
استمر العمل في المنزل قرابة شهر .... وأبي يوقظني كل يوم صباحاً ... وأنا أنتظره ليذهب هو وأعود أنا للنوم ، ثقة مني بـ عقلية موهن .. وأستيقظ ظهرا ، لأجد كل شيء كما هو مفترض أن يكون !!
بالفعل موهن كان كالمصباح السحري بالنسبة لي ، أحببت عمله وصدقه وأمانته ، كنت آخذه إلى مقر سكنه كل يوم بعد انتهاء العمل .....
كنت أحترمه جدا ... وأكن له الكثير ، فهو يساعدني لأنام ... !! ويحمل عني ثقل الإشراف على العمل ومتابعة التفاصيل دون أن أشرح له ! .....
مواقفي مع موهن كثيره جدا ... فقد كان أكفأ العاملين ، أصدقهم ، أكثرهم أمانه واجتهاد ... حتى ظننت ذات غباء أنه يريد مكافآه خاصه على جهودة ( الزائده )
ولكنه رفض بأدب .. وقال أن هذا عمله !! ..
بالأمس خرجت لـ أحضر بعض الأغراض ، فصادفت العامل الآخر الذي كان يعمل مع ( موهن ) ... ( كوبير ) ..
وبعد السلام وبعض الأحاديث الجانبيه ، أخبرني أن موهن قد توفى في الهند بعد أن سقط من ( سِقاله ) ..
يااااه ... كنت قد حذرته قبل سنه !!! حذرته من ( السِقاله ) وأنها غير مؤمَنَه .... وكأني أتذكره وهو فوقها ، بموازاة نافذة غرفتي اليسرى ..
وأنا في النافذه أحذره وأمازحه... موهماً إياه أنني سأدفعه ليسقط .. !!!
سقط بالفعل ..... ولكن ليس في بيتنا ...
سقط هنااااااااااااااااااااااااااك ، حيث ظلت أحلامه تسافر كل يوم ... طيلة عشرين سنه !!.. حيث حلم بالعيش الهنيء والرزق الوفير ، حيث حلم بأن يطعم أبنائه ويكسيهم ويعلمهم ........ذهب ليفرح بأبنائه ... فحزنوا به ! .... أحلامه سبقته إلى هناك ، وحين وصل ، سبقتهم جميعا منيته ...سقط عن ( سقاله ) ... وكأن الموت أتاه في أحسن ما يفعله في حياته ....
موهن ، لا أعتقد أنني أقل ذنبا منك ... ربما أحمل شيئا على عاتقي ... ربما أحمل أشياء أكثر مما أتوقع أنا الآن ....
ربما ذنبك برمته يسكن كتفي الأيسر وأنا لا أشعر بثقله !! ...
كلما نظرت إلى جدران غرفتي ، تذكرتك وأنت تقنعني باللون الأصفر الفاتح...
أتذكر حينما دخلت غرفتي بعد أن صبغها بالـرشه الأولى ، وحين رأى علامات الإمتعاض وعدم الرضى تعلو رأسي
أسرع إلي وهو يقول " اطلع برااا انتظااااار باقي رشه ثاني... يجي كويس مافي خوف ....مافي شوف الحين....سكر عين !!" ويقصد " أغمض عينيك !!"
لم يكن مجرد "عامل" كان شخص يحمل قلب ومشاعر وأخلاق لا نحملها ونحن "الأعز" كما نظن !
ياااااااه .... لماذا تخلق الذكريات ... ؟؟ .... ألسنا أناساً ومن طبعنا "النسيان" ... إذن لماذا لا يزورنا النسيان حينما نريده..بل حينما نحتاجه !! ...
الذكريات شيء موجع ، ربما كان جميلا في وقته ...ولكن حينما يكون ذكرى ، فإنه موجع .... لأن القادم دائما أسوأ !!
لم نسمع عن ذكريات حزينه !!! ، كل الذكريات جميله !!! ، لأن حاضرنا يسعى دوما اتجاه التعاسه .. ونادرا ما يكون الماضي أسوأ !والمشكله أنني أعيش دوما على الذكريات .... !!
لا شيء يسرق وقتي كالذكريات !! .... لا شيء يبعثر أفكاري ويجعل مني شخصا "ثرثاراً / مهلوساً " كالذكريات !!
لا شيء يقتل فرحتي ويبرد قلبي كالذكريات ، أختار منها مايناسب الموقف .. وما يجعلني أنسى تعبي حيناً ... وما يجعلني أقتصد في فرحي أحيان..!!
كان هندي ... وكان "يمون !!" كـ كل العّمال الذي يمرون في حياتي .... من هنود إلى أفغان إلى عرب ....
ترى هل سيقول أحدكم " مابال هذا الـ فيصل يزعجنا بحكاية أحد الهنود !!!" ... أم سيقال أنها حكاية رجل خلوق ، لم يكن له حظ في دنياه ولا آخرته ....
تذكرت قصة اليهودي الفقير حينما قال لأمير المؤمنين ولا أذكر اسمه " أن رسولكم يقول ان الدنيا جنة الكافر ونار المؤمن ، والآخرة جنة المؤمن ونار الكافر "
يالهذا المسكين ... كان "نكرة" بالنسبه لمجتمع يعتبر كل أجنبي "نكره" ...كان يتغدى على الخبز والماء ....ويقوم بعمل لا أقوم به ولو أكلت بيدي وقدماي !!
وستعتبر أنها جنته !!! ....خبز وماء .. وقميص مقلم فيه من الشقوق مالا يقدر خياط أن يخيطها و "زنوبه" خضراء تغير اللون الأبيض فيها إلى بني و وجه لم يعرف الصابون و كريمات دوف وزهور الريف ... لا يعرف سوى بقع الصبغ البيضاء ورائحة التنر ...... !!!
إذن ماذا عنّا نحن !! ... كم نحن قوم لا نفقه ... نأكل حتى نُشبع النفايات .... ونجوع حينما تفرغ النفايات ... أدراجنا تغص بالثياب والبدل ، ونملك من السيارات والمنازل والأموال ماله أول ، وليس له آخر ... يكفي أن أحدنا يشتري "جزمه" إيطاليه ليضعها تحت قدمية بـ مايساوي راتب "هندي" يكدح ليلا نهارا تجده وسط الظهيرة وتحت الشمس يضع طوبه ليصفها ، ويحمل اثنتين فوق ظهره ...!!
أدعو الله آلا تكون هذه الدنيا جنتنا !!!
أعود بعد هذا الإستطراد لأقول أنني بالفعل حزنت كثيرا لهذ الخبر ..
وحزنت كثيراً أنني لم أهده كتب التوعيه الدينيه والتي عزمت على إحضارها له.... ربما لو لم يخلق الكسل ، لكان مات على الإسلام ! ...
ربما كانت انسانيته وفطرته التي لم تتغير بعوامل الزمن وبقيت صامده أمام كل الظروف ليست كإنسانية وفطرة الكثير والتي أصبحت شيئا من زجاج .... وأشياء من هواء .. !
كان يحمل الصدق والأمانه وكل صفات الإسلام الأخلاقيه .... ولكنه لم يحمل الهويه الإسلاميه ...
ليس على غرار الملايين ممن يحملون الهوية الإسلاميه ، ولا يحملون أي من صفاتها !
لم تكن لتكتب هذه الورقه في دفتري لولا أنه توفي .... لا أدري أيجوز أن أترحم علية ... أم أن أستعمل ( لوّ ) لألوم نفسي .. أم ماذا !! ....
لا أظنني سأنفك عن لوم نفسي ، ولوم الكسل الذي جعل من شخص كـ موهن يذهب إلى غير الجنه ......
المعذره ، فالذكريات بلغت ذروتها اليوم... والثرثره رفيقة الذكريات دائما ...
تحيتي .....
الكاتب فيصل العُمري
الجمعه ... 15 أكتوبر2004 / 1 رمضان 1425
الساعه الخامسه صوماً ـ وثلاثين خطيئه
.
[/color].