ثم اختفى خلف الباب ..
خرجت بسمة من العيادة ... نحو والدتها تجرّ خطاها جراً ... لم تستطع قدماها تحمل ثقل جسدها النحيل ... شيّعتها أخته بنظرات الأمل ... جلست بسمة إلى جوار... لم تتحمل ثقل رأسها ، فمرةً تتركه يتدلى على كتفها اليمين ، و مرةً على كتفها اليسار ... و أخيراً أستقر على الجدار خلفها ...
بعد برهة أطل الطبيب من نهاية الممر .. رأته يتقدم نحوهم و هو يعدّل منظاره الطبي .. توقف أمامهم .. رفعت بسمة رأسها .. رأت عينين منهكتين ، لم يعد يثيرهما شيء ... و ابتسامةٌ حزينة شاحبة .. و تجاعيد على ركنيْ فمه .. و منظارٌ متدلّي على قصبة أنفه .. تفرّسهم الطبيب ثم و بصوتٍ بارد ...
( من هي بسمة محمد ؟؟)
وقفتْ ...
( أنا هي يا دكتور ...)
تفحصها من فوق منظاره الطبي .. ثم تابع ...
( ما صلةُ قرابتكِ بالمريض ؟؟)
تمتمتْ ...
( ألم أخبركَ أنني توأم روحه ...)
تابع و كأنه لم يسمعها ..
( فصيلة دمكِ مطابقة لفصيلة دمه .. و هو يحتاج لنقل دم فتفضلي معنا لو سمحت ِ ...)
ثم أردف ..
( إن كنتِ مستعدة ...)
تهلّلت أسارير الجميع ، و كادت بسمة تطيرُ فرحاً .. و تصفق بجذلٍ طفولي لما سمعته .. فركضت تتبع الدكتور و قد عاد الدم إلى عروقها ...
دخلت خلفه العيادة ... جلستْ على الكرسي بعد لأن كشفت عن ذراعها .. جهّز الطبيب الحقنة ، و سحب الكرسي و جلس أمامها .. أمسك ذراعها ,, و غرس الحقنة فيها .. لكنه لم يكد يغرسها حتى فُتح الباب فجأة .. فالتفت الطبيب غضباناً .. فإذا هي الممرضة تصيح ...
( دكتور .. أسرع بالله عليك ..يريدونك في غرفة الإنعاش .. إنه المريض هيثم .. يحتضر ..)
كاد فؤادها أن يتوقف .. هرول الطبيب خلف الممرضة .. تبعتهم بسمة تركض خلفهم .. تبكي .. لا تصدق ما يحصل ...
إنه كابوس . أجل .. كابوس ...
اختفى الدكتور خلف باب غرفة الإنعاش ....حاولتْ أن تدخل ، لكنها مُنعتْ ... صاحت ...بكتْ .. توسلتْ ..
( أرجوكم دعوني أراه .. إنه يحتضر .. دعوني أرى توأم روحي .. أرجوكم .. )
لكن لا أذن تسمع توسلاتها .. بكت .. و بكت .. و قد تحوّل كل من حولها صمٌ عمي ...
فُتح باب الإنعاش .. و خرج السرير يرقد عليه توأم روحها ,, يتبعه الممرضون .. ثم الطبيب ..
( دكتور .. ماذا حصل لهيثم ؟؟)