وحيدةٌ هي بعدما امْتَـطتْها الأيام بأحزانها وآلامها،وسلقتها ألسنة الناس،وجرحتها نظراتهم المخيّبة لآمالها.
لم يعد في جسدها وقلبها مكانا ليُطعن بعد أن غدت في عرف المجتمع مهشّمة لا فائدة منها بكونها مطلّقة !
حياتها اتّشحت بالسواد حين عاب عليها زوجها "خالد" بشكوكه ووسواسه القهري..كان يراقبها أينما ذهبتْ..الجامعة..السوق..هاتفها الخلوي..مصلى النساء..حتى البيت !
لم تيأس من محاولة انتشاله من هذا الوهم القابع فيه ومرضه النفسي حتى لا يتدمر بيتها بعد سنين مضت بمرّها وحلوها..لكنها ما فلحتْ.
في إحدى الأيام الكئيبة..
لم يجد خالد زوجته "شذى" في البيت،فدارت حوله الوساوس لولا اتصال إحدى الممرضات به
أسرعَ في خطواته إلى المستشفى وهو يتمتم طوال الطريق بكلمات لا يعرف أحدٌ مغزاها..دخل الغرفة غاضبا:
-شذى !!
-خالد..أنا حامل..الحمدلله أن صبرنا طيلة هذه السنين..مبارك يا أبا ســـ .....
-لا تكملي ! أبو من ..؟!! متى حملتِ يا ..............!
كان الصمتُ حينها سيد الموقف..فقد أصابها ذهولا كبيرا بعد أن أنكر نسبة الولد له..وآلمها أكثر حين طلب منها اجهاض الحمل دون مبرر صحي.
تغافلتْ عن أسئلة الأهل عن سبب الاجهاض،وتفنّنت في طرق الابتعاد عن حيرتهم حتى لا تؤذي مشاعر زوجها المريض نفسيا..لكن زوجها لم يبادلها ذات الشعور..فبعد عدة شهور على الحادثة زادت عليه الوساوس فطلّقها من غير رجعة.
عادتْ إلى بيت أبيها وهي مثقلة بالهموم..وأصبحت في غرفة مظلمة لا تسمح بدخول نور الشمس بإشراقه وأيامه الحبلى بالجديد دائما.
-ابنتُك طُلّقتْ ؟ متى ؟ لماذا ؟
-ربما الخطأ منها ؟
-كان زوجها كريما
-ياله من قاااااسِ لا يرحم
-هي المخطئة بنظري،لم تُحسن التصرف
-أوّاه..أمجنون هو لينكر نسب الجنين ؟!
-عليهما العوض !
-هناك خاطب غني يريد ابنتك يا أم شذى
-للأسف..ستزيد من نسبة المطلقات وبذا تخسر البلدة
-طليقها يقول بأنها لم تكن طيبة
-يالله..ستكون ثقلا على أبيها المسكين
..............
.......................
.................................................. .
إلى غيرها من هذه الطعنات المتوالية ليلا نهارا في قلب شذى.
ظلّت تتجرّع الآهات يوما بعد يوم..
وذات ليلة ولأول مرة بعد طلاقها،فتحت الستارة ،فإذا بعشٍ على طرف من النافذة..داخله بيض صغير..كانت تراقبه بنظرات متلهفة وكأنها تنتظر أمرا..فجأة..انكسر البيض شيئا فشيئا..وخرج منه عصفور هزيل فاتحا فاه..أيقنتْ حينها أنه بحاجة لأمه بعدما كان في غرفة ضيقة حالكة لوحده..كما هي !
وخرج للتو ورأى الحياة
-"سبحان الله..حان وقت خروجه من البيض، وها هي أمه سعيدة به،وأنا حان وقت خروجي من الكآبة والأحزان والأيام الحالكة".
ومع إطلالة الصباح المبشر بالمسرّات..
فتحت شذى ستارة الغرفة فامتدت أشعة الشمس في كل ناحية فيها وكأن الحياة دبّت في الأرجاء بعد موات طال شهورا.
لم تكن تعلم أنها غالية عند أهلها لهذه الدرجة..عانقتها والدتها بشدة وقبّلتها كثيرا مع بكائها بنشوة الفرح كما كانت في عرس ابنتها..وأطلقت "زغرودة" جاب صداها في كل البيت.
وقفت شذى بذهول مختلط بفرح سرى في قلبها وكأنها وُلدت من جديد !
هاهم جميع من في البيت يعانقها ،وتلك تقبّلها ،وذاك ذهب مسرعا للاتصال بأقرب مطعم ليستعد لعمل وليمة .................
مضت 6 شهور بروعتها سريعا.. وعادت لشذى ضحكتها..زيارتها للزميلات..قراءتها وكتٌبها..الذهاب للنزهة..الطبخ للأهل
-"كم هي الحياة حلوة حينما تخرجين من حزنك الدفين بإرادتك فيلتئم الجرح"
تجمّع الأهل ذات يوم حولها..
-شذى ابنتي ..خبر جميل بانتظارك.. هناك خاطب يود التقدم إليك
-خاطب جديد !
-نعم مابالك متعجّبة حبيبتي ؟اليوم سيأتي فكوني مستعدة
-"هل أضحك ؟ هل أبكي ؟ أخشى أن يكون كما كان السابق..فلأدع الأوهام جانبا..ياترى: كيف هي أخلاقه ؟ تديّنه ؟ هل يحب الرسم مثلي ؟ هل هو جميل ؟ ....؟ .........؟ ....................؟"
تمت الخطبة الرسمية..كان الخاطب غريبا عنهم، فقد جاء من قبل إحدى الخطّابات اللاتي ملأن المنطقة بالحديث عن تلك أو جلب ذاك الرجل لابنة فلانة.
وبعد مضي ثلاثة شهور..
-هاتفك يا شذى
-"حسنا أمي..السلام عليكم"
-وعليكم السلام، شذى كيف حالك ؟
-"أهلا بك "حسن" أنا بخير ،وأنت والأهل ؟"
-كلنا بخير..أ أ...
-"ماذا بك ؟"
-شذى..أ...أنا آسف لن أقدر أن أتواصل معكِ آسف جدا !
لم تكن تعلم أن الناس مازالوا يلوكون بعرضها بكلام باطل: سيئة، غير طيبة ،تخرج مع الشباب، تواعد الشباب وتحادثهم، زوجها أنكر نسبة الولد له ووووو
وهم يعلمون بطهرها وشرفها.
كان الموقف قاصما لها ولمشاعرها بعد أن تركها خطيبها لهذا السبب، وتزوج بامراة أجنبية وابتعد عن الديار خوفا من أن يقال غدا أنه خطب امراة سيئة.
أما شذى..عادت إلى عالمها الخاص..
غرفتها..
أرخت ستارة النافذة وأغلقت كل شيء
معلنة الدخول لفصول جرحها المفتوح !
**الريحانة**
29/5/2006