كنت أود أن أجعل فاصل 3 أيام بين الدروس ، لكن بما أنني لم أجد أي رد أو أسئلة، سأنتقل اليوم إلى الدرس الثاني:
تتمة لحديث الدرس السابق، نتكلم الآن عن السهو في الصلاة:
قال تعالى: { فويل للمصلين . الذين هم عن صلاتهم ساهون }
ما معنى السهو؟؟
1.ففسر السهو بالسهو عن وقتها - أي إضاعته
2.والسهو عن ما يجب فيها (واجبات الصلاة نفسها)
3.والسهو عن حضور القلب (أي عدم الخشوع وعدم التدبر)
ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( تلك صلاة المنافق ، تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق ، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلا )
1. فوصفه بإضاعة الوقت بقوله : "يرقب الشمس”
2. وبإضاعة الأركان بذكره النقر
3. وبإضاعة حضور القلب بقوله : "لا يذكر الله فيها إلا قليلا" ، فإذا كانت الصلاة كلها عبارة عن ذكر، فكيف ذكر في الحديث أنه لا يذكر الله فيها إلا قليلا؟؟ هذه دلالة واضحة على أن الذكر باللسان فقط ليس هو المقصود، بل لا بد من حضور القلب وفهم المعاني واستشعار عظمة الخالق في الصلاة.
إذن تمام حضور القلب مطلب، ولا يكون إلا بالعلم، فالله عز وجل وصف أهل العلم بخشيته والخشوع عند سماع كلامه فقال:(( إنما يخشى الله من عباده العلماء)) فاطر:28
• وقال : (إن الذين أوتو العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدًا)
من ذلك نعلم أن من أهم الأسباب التي تمنعنا من الخشوع عدم العلم، وعدم الفهم
سؤال: كيف يكون الخشوع؟
•أصل الخشوع: لين القلب وسكونه وخضوعه ، فإذا خشع القلب تبعه خشوع الجوارح والأعضاء.
•كما قال صلى الله عليه وسلم ” ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب“ متفق عليه .
•ومتى تكلف الإنسان الخشوع في جوارحه وأطرافه مع عدم خشوع قلبه كان ذلك نفاقًا، فقد نظر عمر رضي الله عنه إلى شاب قد نكس رأسه فقال له:“ يا هذا، ارفع رأسك فإن الخشوع ليس في الرقاب ، إن الخشوع لا يزيد على ما في القلب“
والخشوع في الصلاة : هو حضور القلب بين يدي الله تعالى مستحضرا لقربه ، فيسكن لذلك قلبه ، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته ، ويقل التفاته ، متأدبا بين يدي ربه ، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة ، والمقصود منها ، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها ، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها (من كلام الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى (الذين هم في صلاتهم خاشعون) سورة المؤمنون آية 2)
في صحيح مسلم عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعه، إلا كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب ، ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله"
كلنا يعلم أنه إذا أراد الحصول على شيء قيم وثمين، فلابد له من بذل جهد أكثر ودفع مال أكثر (هذا بالنسبة لأمور الدنيا) فما بالنا بأمر العبادة التي خلقنا لأجلها؟
من هنا تأتي قاعدة: أي نص شرعي ورد فيه جزاء على عمل معين، فهذا يدل على عظم هذا العمل، وأنه ليس بيسير إلا على من يسره الله له، مما يدل على صعوبة الخشوع لذلك رتب عليه هذا الجزاء العظيم.
•قال مجاهد :“ كان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن –عزوجل- أن يشذ نظره ، أو يلتفت ، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء ، أو يحدِّث نفسه في أمر الدنيا إلا ناسيًا مادام في صلاته“
فأين نحن من هؤلاء، نسأل الله المغفرة (آمين)
•والعبد يحتاج أن يعلم أن كل ما يفعله في الصلاة هو :خضوع لله عز وجل كالقيام والركوع والسجود، وما يقال في هذه الاحوال من الأذكار،
•قال الله تعالى : ( وقوموا لله قانتين ) ، وقال:( واركعوا مع الراكعين ) لأن الركوع خضوع لله وذل بين يديه بظاهر الجسد، وقد أبى المتكبرون ان يركعوا فتوعدهم الله بقوله: واذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين [المرسلات:48-49].
•ومن ذلك السجود وهو أعظم ما يظهر فيه ذل العبد لربه عز وجل حيث جعل العبد أشرف أعضائه وأعزها عليه وأعلاها عليه أوضع ما يكون بين يدي ربه، فيضعه في التراب متعفرا ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله عز وجل
•ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يقربه الله إليه، كما صح عن النبي (( فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ))
•وقد قال الله عز وجل لنبيه -:( واسجد واقترب )
• وقد استكبر إبليس عن السجود فباء باللعنة والصغر، وأبى المشركون والمنافقون عن السجود واستكبروا عنه، فتوعدهم الله عز وجل بأن يحرمهم من السجود يوم القيامة عند لقائه، لما أبوا أن يسجدوا له في الدنيا قال تعالى : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) [القلم:42-43]،
نسأل الله عز وجل أن لا يجعلنا من المحرومين (آمين)
والتأمل في حقيقة الصلاة ومصالحها يسهل على العبد أداءها ويجعله متلذذا بها
كما قال النبي – -: ((جُعِلت قرة عيني في الصلاة ))
وقد قال الله تعالى: ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة:45]
وقال تعالى: ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) [العنكبوت:45]. لكن حينما يغفل العبد عن فوائد الصلاة لقلبه وتصبح ثقيلة عليه. وإذا دخل فيها كأنه في سجن حتى يخرج منها. ولهذا تكثر حركاته وهواجسه ويسابق الإمام. ومن كان كذلك فإنه يخرج من صلاته بلا فائدة، ولا يجد رغبة في الدخول فيها وإنما يصلي من باب العادة أو المجاملة.
نسأل الله السلامة والعافية
تم بحمد الله في درس اليوم طرح المشكلة وهي عدم الخشوع في الصلاة ، سنبدأ بإذن الله في الدرس القادم بطرح بعض الأسباب المساعدة على الخشوع في الصلاة